ابن ظهيرة
143
الجامع اللطيف
قلت : هذه الأحاديث ونحوها تدل على فضيلة المدينة لا أفضليتها على مكة كما لا يخفى ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، وفي رواية وأشد لا دلالة فيه أما على رواية أو أشد فظاهر لوجود الشك ، وأما على رواية وأشد بدون ألف أو بها وتكون بمعنى الواو فلأن سؤاله صلى اللّه عليه وسلم حصول أشدية الحب للمدينة بعد وجود المانع من سكناه مكة تسلية عنها لا يلزم منه تفضيل المدينة على مكة بعد استحضار ما تقدم من قوله صلى اللّه عليه وسلم لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى اللّه وأكرمها على اللّه بشهادة التأمل . انتهى . فصل ( واعلم ) أن جميع ما سبق من الفضل فيما قدمته محله في غير الموضع الذي ضم أعضاء النبي صلى اللّه عليه وسلم أما محل قبره فقد نقل القاضي عياض رحمه اللّه في « شرح مسلم » الإجماع على أنه أفضل بقاع الأرض حتى موضع الكعبة وأن الخلاف فيما سواه ، ولقد أحسن وأبدع من قال في المعنى : جزم الجميع بأن خير الأرض ما * قد حاط ذات المصطفى وحواها ونعم لقد صدقوا بساكنها علت * كالنفس حين زكت زكا مأواها قال بعض المحققين وقياسه أن يقال : إن الكعبة الشريفة أفضل من سائر بقاع المدينة قطعا ما عدا موضع القبر الشريف . تنبيه : روى ابن عبد البر في « التمهيد » أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما خلق . قال شيخ الإسلام ابن حجر : وعلى هذا فقد روى الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي خلق منه النبي صلى اللّه عليه وسلم من تراب الكعبة فعلى هذا فالبقعة التي ضمت أعضاءه صلى اللّه عليه وسلم من تراب الكعبة فرجع الفضل المذكور إلى مكة إن صح ذلك واللّه أعلم . انتهى . قال بعض العلماء : يؤخذ من قولهم المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه أفضلية سيدنا أبى بكر وسيدنا عمر على بقية الصحابة لدفنهما بالقرب من النبي صلى اللّه عليه وسلم المقتضى لكون طينتهما التي خلقا منها من البقعة التي خلق منها النبي صلى اللّه عليه وسلم .